أحمد بن محمد ابن عربشاه

262

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وإنما أوردت هذه المقامات وإن كانت من فضلات علمك ، ورشحات قلمك أتتنا متقدمات ؛ إلا لتعاطي أسباب الصلح أولا في نفسك ثم تستعمل الوسائط فيه من أبناء جنسك ، فينتج المقصود ويصفو الورد المورود كما قيل : فإنّ القلوب مرائي الصفات * كما السّيف مرآة وجه الذوات قال الدب : أنا ألقى في هذا المقام لنيل هذا المرام إلى يد تدبيرك ، واكتفى في وعى رياضه برائد رأيك وتقديرك ، فإن فكرك نجيب وسهم رأسك مصيب ، فافعل ما تختار وأذقنا من رائق رأيك المشتار « 1 » . فقال : تقسم أولا باللطيف الخبير إنك أصفيت الضمير من الغش والتكدير ، وكرعت من وارد الصفاء الزلال النمير « 2 » ، ونفضت يد المحبة والإخاء من علاقات البغضاء والشحناء حتى يجيب دعيى ولا يخيب سعى ، وأبذل مجهودي في نيل مقصودى ، وأبنى على أساس وأسلك مع الناس مسلك الناس ، فبادر باليمين إلى اليمين وأشهد عليه الكرام الكاتبين ؛ أنه صقل مرآة محبته عن صدأ المداهنة ، وجلا طريق مودته من غبار المباينة ، وإنه يكتفى من غدير الغدر بما جرى ويطوى حديث الشحناء فلا سمع الواشي بذاك ولا درى ، فليبذل مبارك الميلاد جهده في السعي في إصلاح الفساد ، وعقدا على ذلك العهد . وتوجه مبارك الميلاد من بعد ، وقصد منزل أخي نهشل فرآه فيمن ثار همومه في مشغل ، وقد غرق في بحر الأفكار هائما لا يقر له قرار ، فسلم عليه وتقدم بالسؤال عن حاله إليه وآنسه بالمحادثة وذكر له الدهر وحوادثه ، وتذاكر ما وقع من الدب ، وكيف أظهر نواقض الحب وبارز بالعداوة وأبرز

--> ( 1 ) القاطع . ( 2 ) العذب .